محمد بن جرير الطبري

195

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فاختلفوا ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين . وأصل الأَمة الجماعة ، تجتمع على دين واحد ، ثم يكتفى بالخبر عن الأَمة من الخبر عن الدين لدلالتها عليه كما قال جل ثناؤه : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً يراد به أهل دين واحد وملة واحدة . فوجه ابن عباس في تأويله قوله : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً إلى أن الناس كانوا أهل دين واحد حتى اختلفوا . وقال آخرون : بل تأويل ذلك كان آدم على الحق إماما لذريته فبعث الله النبيين في ولده ووجهوا معنى الأَمة إلى الطاعة لله والدعاء إلى توحيده واتباع أمره من قول الله عز وجل إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً يعني بقوله " أمة " إماما في الخير يقتدي به ، ويتبع عليه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قال : آدم . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قال : آدم ، قال : كان بين آدم ونوح عشرة أنبياء ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ، قال مجاهد : آدم أمة وحده ، وكأن من قال هذا القول قال آخرون : بل تأويل ذلك كان آدم على الحق إماما لذريته فبعث استجاز بتسمية الواحد باسم الجماعة لاجتماع أخلاق الخير الذي يكون في الجماعة المفرقة فيمن سماه بالأَمة ، كما يقال : فلان أمة وحده ، يقول مقام الأَمة . وقد يجوز أن يكون سماه بذلك لأَنه سبب لاجتماع الأَسباب من الناس على ما دعاهم إليه من أخلاق الخير ، فلما كان آدم صلى الله عليه وسلم سببا لاجتماع من اجتمع على دينه من ولده إلى حال اختلافهم سماه بذلك أمة . وقال آخرون : معنى ذلك كان الناس أمة واحدة على دين واحد يوم استخرج ذريه آدم من صلبه ، فعرضهم على آدم . ذكر من قال ذلك : حدثت عن عمار ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً وعن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب ، قال : كانوا أمة واحدة حيث عرضوا على آدم ففطرهم يومئذ على الإِسلام ، وأقروا له بالعبودية ، وكانوا أمة واحدة مسلمين كلهم . ثم اختلفوا من بعد آدم ، فكان أبي يقرأ : " كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين " إلى " فيما اختلفوا فيه " وإن الله إنما بعث الرسل وأنزل الكتب عند الاختلاف . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قال : حين أخرجهم من ظهر آدم لم يكونوا أمة واحدة قط غير ذلك اليوم ، فبعث الله النبيين ، قال : هذا حين تفرقت الأَمم . وتأويل الآية على هذا القول 000 على دين واحد يوم استخرج ذريه آدم من صلبه ، فعرضهم على آدم . نظير تأويل قول من قال يقول ابن عباس : إن الناس كانوا على دين واحد فيما بين آدم ونوح . وقد بينا معناه هنا لك ؛ إلا أن الوقت الذي كان فيه الناس أمة واحدة مخالف الوقت الذي وقته ابن عباس . وقال آخرون بخلاف ذلك كله في ذلك ، وقالوا : إنما معنى قوله : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً على دين واحد ، فبعث الله النبيين . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً يقول : كان دينا واحدا ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين . وأولى التأويلات في هذه الآية بالصواب أن يقال إن الله عز وجل أخبر عباده أن الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد وملة واحدة . كما : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً يقول : دينا واحدا على دين آدم ، فاختلفوا ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين . وكان الدين الذي كانوا عليه دين الحق . كما قال أبي بن كعب ؛ كما : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : هي في قراءة ابن مسعود : " اختلفوا فيه " عن الإِسلام . واختلفوا في دينهم ، فبعث الله عند اختلافهم في دينهم النبيين مبشرين ومنذرين ، وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه رحمة منه جل ذكره بخلقه واعتذارا منه إليهم . وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة من عهد آدم إلى عهد نوح عليهما السلام ، كما روي عكرمة ، عن ابن عباس ، وكما قاله قتادة . وجائز أن يكون كان ذلك حين عرض على آدم خلقه . وجائز أن يكون كان ذلك في وقت غير ذلك . ولا دلالة من كتاب الله ولا خبر يثبت به الحجة على أي هذه الأَوقات كان ذلك ، فغير جائز أن نقول فيه إلا ما قال الله عز وجل من أن الناس كانوا